ابن بسام
24
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
الأمور الملوكية ، والعدد السلطانية ، والآلات الرئاسية ، فابتنى القصور السامية ، واعتمر العمارات المغلّة ، واكتسب الملابس الفاخرة ، وغالى الأعلاق السنيّة ، وارتبط الخيول السابحة ، واقتنى الغلمان الرّوقة ، واتّخذ الرجال الذادة ، تنقّاهم من كلّ فرقة ، فساس طبقاتهم ما بين إدرار الأعطية وضمان الزيادة على صدق الصيال ، والوفاء بالوعيد على النكول عن العدوّ ، سياسة أعيت على أنداده من أملاك الأندلس ، فخرّج منهم رجالا مساعير حروب ، أباد بهم أقتاله . ومن نادر أخباره المتناهية في الغرابة أن نال بغيته وأهلك تلك الأمم العاتية ، وإنه لغائب عن مشاهدتها ، مترفّه عن مكابدتها ، مدبّر فوق أريكته ، منفّذ لحيلها من جوف قصره ، ما إن مشى إلى عدو أو مغلوب من أقتاله غير مرّة أو اثنتين « 1 » ، ثم لزم عرّيسته « 2 » يدبّر داخلها أموره ، جرّد نهاره لإبرام التدبير ، وأخلص ليله لتملّي السرور ، فلا يزال تدار عليه كئوس الراح ، ويحيّا عليها بقبض الأرواح ، التي لأناسيّها من / أعدائه بباب قصره حديقة تطلع كلّ وقت ثمرا من رؤوسهم المهداة إليه « 3 » ، مقرّطة الآذان برقاع الأسماء المنوّهة بخاملها ، ترتاح نفسه لمعاينتها ، والخلق يذعرون من التماحها ، وهو واصل نعيم ليله بإجالة كيده ، ومستدع « 4 » نشاط لهوه بقوّة أيده ، له في كل شأن شؤين ، وعلى كل قلب سمع وعين ، ما إن سبر أحد من دهاة رجاله غوره ، ولا أدرك قعره ، ولا أمن مكره ، لم يزل ذلك دأبه منذ ابتدائه إلى انتهائه . وكان محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي ، مفرق الجماعة بقرطبة ، ومبتعث تلك الفتنة المبيرة ، سبق عبادا إلى اتخاذ مثل هذه الحديقة المطلعة لرءوس أعدائه ، أيام أكثر له واضح الخصي العامريّ من إرسال برءوس الخارجين عليه ، لأول وقته « 5 » ، وأصلح بهم باب مدينته سالم ، فغرس منها فوق الخشب المعلية لها بشطّ النهر حذاء قصره حديقة هول عريضة طويلة الخطّة ، جمّة عدد الصفوف المسطورة ، فأضحت شغلا للنظارة ، وذكرتها شعراؤه مثل قول صاعد بن الحسين ، من قصيدة أولها :
--> ( 1 ) دوزي : مرتين . ( 2 ) ط د : عريشته ؛ س : عن بيته . ( 3 ) انظر الحديث عن الرؤوس في القسم الأول : 388 . ( 4 ) ط د م س : ومبتدع ، والتصويب عن البيان . ( 5 ) ط د س : وقعه .